الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية صديق الشاعر أولاد أحمد يروي تفاصيل اللحظات الاخيرة قبل لفظ أنفاسه وحكاية الرجلين الغريبين اللذين زاراه

نشر في  06 أفريل 2016  (11:13)

روى الاستاذ عادل حاج سالم صديق الشاعر الكبير الصغير ولاد أحمد، تفاصيل اللحظات الاخيرة في حياة الشاعر قبل رحيله وكشف في هذه التدوينة المؤثرة التي نشرها على صفحته الرسمية التالي:

"عندما كان صفيّي محمّد الصغيّر أولاد أحمد يُحتضر دخل الغرفة شخصان لم أتعرّف إليهما في البداية..كانت الدقيقة الأخيرة تقريبا..كانت زهور تمسك بيده ودموعها تتناثر فيما تأخّرت حياة خطوتين وكأنّها أيقنت بأنّها لحظة الحقيقة بعد أن ظلّت فترة تطلب منه أن يتنفّس وتخاطبه راجية ألا يرحل داعية إياه إلى العودة، إلى البقاء..

تقدّم أحد الرجلين وتناول اليد التي تركتها حياة وسرعان ما أدرك هو الآخر الوضع فانفجر باكيا وهو يصرخ لا تتركنا يا صغيّر نحن أبناؤك..نحن أبناؤك في حبّ الوطن..دخلت عند ذلك الطبيبة لتجسّ النبض وتعلن النهاية المحتومة..كانت الساعة 15و40 دقيقة، داريت دموعي وخرجت إلى قاعة الانتظار..كان أوّل القادمين عضوان من هيئة الحقيقة والكرامة وفهمت أنّ الرجلين في الغرفة هما أيضا من الهيئة نفسها..جاء الأربعة إلى الشاعر المحتضر لتسجيل شهادته عن العهد السابق، عن تشريده وحرمانه من جرايته طيلة خمس سنوات من حكم بن علي الذي أيقن أنّ إفراجه عن "نشيد الأيام الستّ" وتمكينه للشاعر من تأسيس "بيت الشعر" لم يمنعاه من مواصلة الدور الذي اختار لنفسه أن يكون: مع الشعب لا عليه..وأنه اختار أن يكون "تونسيا مرّة واحدة" ورافضا أن "نكون سعداء بحكّامنا/ يرجعون الكلام إلى الحلق:/ كي نختنق"..اختار أن يكون "ثمّةَ نثرٌ يحجّ إلى زمن غابر كي يتوب/ وثمّة شعرٌ يحاول - في ما يحاول - أن لا يتوب"..

هيئة الحقيقة والكرامة: رفض الشاعر مرارا ان يقدّم إليها مطلبا في التعويض المادّي عن سنوات تشريده ومحاولة تجويعه، رفض حتّى ما نصحه به أصدقاء بأن يكون التعويضرمزيا يقتصر على تسديد ما عليها تجاه صندوق التقاعد..وصل أعضاء الهيئة :نصفهم وهو يحتضر، ونصفهم الثاني وهو مفتوح العينين كأنّما يرنو إلى مقبرة الجلاز وهي على على مرمى نظرة أو تحليقة طائر..كأنّما يستكشف بنظرة أخيرة سفح المقبرة قبل أن يتوسّد ثراها...وله هناك أهلون..

بكلّ كرامته مات وبكلّ كرامته يبقى أعلى من كلّ من حسده على حياته وحتّى على مرضه..وربّما على جنازته..

وداعا صديقي وصفيّي، وبلّغ سلامنا وشوقنا إلى الشهداء...لقد طبعت بشعرك ومواقفك أجيالا ومثلما ردّد الثوار بيتي الشابّي نبراسا لثورتهم، سيكون نبراس أجيال قادمة "نحبّ البلاد كما لايحبّ البلاد أحد" و"تحيا الحياة/ فوق الارض لا تحت الطغاة"...

سأعلّم أولادي أنّ آخر ما كتبت ترنيمة في حبّ تونس:

تونس

سلّمتُ في الدُّنيا...
وقلتُ:أكونُها
شعرًا 
ونثرًا 
ناقدًا
ومُبشّرًا
...طولَ الفصولِ الأربعهْ


أنْثَى
وأمّي
...........................
ليس لي .... قبْرٌ
في المــَا-بعْدُ
(في الأُخْرى)
سوى هذي الحُروفِ الأربعهْ:
تونس

المستشفى العسكري
4- 4 - 2016"."